عاجل

مرايا الصحراء وذاكرة الأنثى الغائبة في رواية «عمة آل مشرق»

رواية «عمة آل مشرق» لأميمة الخميس تتجاوز سرد الحكايات إلى بناء مرايا تعكس غيابات الذاكرة الجماعية

غلاف رواية «عمة آل مشرق» لأميمة الخميس، يظهر فيه مشهد رمزي لصحراء وامرأة في خلفية داكنة

في رواية «عمة آل مشرق»، لا تكتب أميمة الخميس عن امرأة فحسب، بل عن روح تجوب دهاليز الذاكرة، تستعيد ما ضاع، وتؤثّث النسيان باسم لم يُكتب على جدران التاريخ، بل على جدران الحلم. الرواية ليست حكاية أصلية، بل بناء ينتظر التشكيل، والعمة ليست شخصية تُروى، بل فكرة تُبنى.

«عمة آل مشرق».. رواية تبحث عن الأنثى في فراغ الذاكرة

في رواية «عمة آل مشرق»، تمضي أميمة الخميس إلى حيث لا تمضي الروايات؛ إلى فراغٍ تشكّل، وإلى غيابٍ صار أبلغ من الحضور. لا تكتب عن امرأة، بل عن روحٍ تجوب دهاليز الذاكرة الجماعية، تستعيد ما ضاع، وتؤثّث النسيان باسم لم يُكتب على جدران التاريخ، بل على جدران الحلم. «لا توجد في هذا العالم حكاية أصلية حقيقية أبداً» – جملةٌ تتردّد كالناقوس في فضاء النص، فتُعلن منذ البداية أنَّ الحقيقة ليست واقعةً تنتظرُ الاكتشاف، بل بناءً ينتظرُ التشييد.

الزمان والمكان.. تشظٍّ وغياب

تمتدُّ الرواية بين 1918 و2018، بين الرياض ونيويورك، غير أنَّ الزمانَ هناك لا يتدفَّق، بل يتشظّى، والمكانَ لا يتّسع، بل يتكاثف. صحراء الخميس ليست صحراءَ الخرائط، بل صحراءَ الذاكرة، حيث تتناثر الأسماء، وتتعالى الأنفاس من تحت الرمال، وتتشكّل المعاني من غبار النسيان. وفي تلك الصحراء، تتحرّك العمة على أهداب الحلم؛ كلّما اقتربتَ منها ابتعدت، وكلّما أحكمتَ قبضتكَ على خيط حكايتها انفلتَ كالماء.

اقرأ أيضاً:
صحافة صانع المحتوى ثورة إعلامية أم خطر على المهنة؟

الأنثى بين القبر والتهريب

الجازي، تلك العمة المريضة، تواجه خيارين؛ إمّا القبر، وإمّا التهريب إلى البحرين على يد ممرّض أمريكي. وفي المشهد القاسي تتجسّد هشاشة الأنثى؛ تُدفن وهي حيّة، أو تُهرَّب كبضاعة. هنا تبلغ الخميس ذروةَ سخريةِ القدر، حين تجعل من المرأة موضوعاً للصفقة لا فاعلاً للخيار. وكأنّ الأنوثة، في تلك الثقافة، لا تُرى إلّا لحظةَ رحيلها، ولا تُسمع إلّا حين تُغادر المشهد.

آلة التسجيل.. استعارة الرواية

ثمة مشهدٌ آسر في الرواية، حين تظهر «آلة التسجيل، لم يطلها الزمن، تبدو كحقيبة نسائية أنيقة». تنقل إلينا «صوتاً بطيئاً صمغياً، يلتف به أشرطة الكاسيت عادة، كأنه يتكلم في بوق». لكن ذلك البوق استطاع أن ينقل «أصواتاً تتحدث لأبنائها المسافرين إلى أمريكا». هنا تتكثف فلسفة الرواية كلها؛ الآلة التسجيلية هي الاستعارة المثلى للرواية نفسها؛ جهازٌ قديم، يشبه حقيبة نسائية، ينقل أصواتاً من الماضي. لكن الصوت، حين يصل إلينا، يكون مشوّهاً، غير نقي، كأنه يتكلم في بوق.

الذاكرة.. تشويه جميل وإبداع

وتلك الأصوات التي تصلنا -صوت رجل وسيدتين، ينتمون إلى عائلة واحدة- هي بالضبط ما تبحث عنه الرواية؛ أصوات الغائبات، تلك التي لم تُسجّل رسمياً، لكنها ظلّت تهمس في شرائط الكاسيت المهملة، تنتظر من يستمع إليها. الخميس هنا تُحيلنا إلى سؤال فلسفي عميق: هل يمكن للتقنية أن تنقذ الغائب؟ أم أنها، في النهاية، تؤكد غيابه، لأنها تحيلنا إلى ما فقدناه، وتذكّرنا بأن الصوت المسجل ليس إلا شبحاً للصوت الأصلي؟

لا تفوتك هذه القصة:
الثقافة الحقيقية بين الاستعراض والتغيير

التهريب.. تغريب الأنثى

تتشرّب الروايةُ نزعةً تأمّليةً تُعيدنا إلى سؤال الوجود الأزلي: لمَ نهرب؟ أليس كلُّنا، في ما نفعله، مهربين؟ ننقل الذاكرة بين أزمنتنا، ونهرّب الأحلام بين يقظاتنا، ونتاجر بالآمال كالبضاعة. لكن الخميس تختزل المسألة في الاستعارة الأجمل؛ التهريب بوصفه تغريباً؛ فالمرأة هنا لم تُنقل، بل نُزِعت من جذورها، والذاكرة لم تُستدعَ، بل استُبعدت. والعمة التي نُقلت إلى البحرين لقاءَ اعتناق الممرّضِ الإسلامَ، ليست سوى رمزٍ لكلّ أنثى حوّلتها ثقافتها إلى بضاعة.

اللغة.. رقصة الكثبان

واللغةُ، تلك اللغةُ المفتونة بانثيالاتها، تُمثّل امتداداً للرؤية. جملُ الخميس لا تمشي، بل تتراقص؛ تتلوّى كالكثبان، تارةً تنفتح على اتّساع يخطف الأنفاس، وتارةً تنكمش على نفسها كأنّها تستعدّ للقفز. لا تشرح، بل تومئ، لا تخبر، بل تنبئ. وكأنّ الحقيقة، في عالمها، لا تُقال، بل تُكشَف، والمعنى لا يُفهم، بل يُحَسّ ببطء، كما تُحَسّ حرارة الرمل في الظهيرة.

جمال النقص.. سراب الصحراء

ومع ذلك، تبقى تلك الفجوات جزءاً من جمال النصّ؛ ففي كلّ صحراء ثمّة سراب، وفي كل مرآة ثمّة شَوْشَة. والكمال، لو وُجِد، لأفسدَ دهشةَ النقص. ففي كل عمل فني، كما في كل صحراء، ثمّة جمال يفتن، وقسوة تجرح، ورمال تغطي، وسراب يخدع. وهذا التناقض هو بالضبط ما يجعله جديراً بالرحلة.

السؤال الأخير.. من هي العمة حقّاً؟

أمّا القارئ، حين يطوي الصفحة الأخيرة، فيصير هو الآخر عمةً تائهة في صحرائه الداخلية. السؤال الذي يعلّق كغيمةٍ عابرة: حين نبحث عن الغائبات، هل نجدهنّ، أم نجد أنفسنا؟ الجوابُ ليس في النصّ، بل في تلك المرآة التي صرناها، في تلك اللحظة التي نكتشف فيها أنّ رحلةَ البحث عن الآخر لم تكن سوى بحث عن ظلّنا الضائع.

تحليل ذكي:

تتناول رواية «عمة آل مشرق» لأميمة الخميس قضية الغياب الأنثوي في الذاكرة الجماعية، حيث تتجاوز السرد التقليدي إلى بناء مرايا تعكس فراغات الهوية والثقافة. من خلال شخصية «العمة»، تستكشف الخميس هشاشة الأنثى في المجتمعات التي تتحول فيها المرأة إلى بضاعة أو موضوع للصفقات، سواء عبر الدفن الحي أو التهريب. الرواية لا تقدم حكاية أصلية، بل بناء فلسفياً يستند إلى تشظي الزمان والمكان، حيث تصبح الصحراء فضاءً للغياب الناطق. اللغة في الرواية لا تشرح، بل تومئ، مما يجعلها أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى السرد الروائي التقليدي. ومع ذلك، فإن الإفراط في الاستعارات الفلسفية قد يفقد النص بعضاً من مفاجآته، ويترك القارئ في حالة من الاغتراب عن المركز، حيث تظل البطلة الحقيقية هي الغياب ذاته.

ملخص الخبر:

  • رواية «عمة آل مشرق» لأميمة الخميس تتجاوز سرد الحكايات إلى بناء مرايا تعكس غيابات الذاكرة الجماعية
  • الشخصية الرئيسية «العمة» ليست امرأة فحسب، بل رمزاً للأنثى التي تُحوّل إلى بضاعة أو موضوع للصفقات
  • الرواية تمتد بين 1918 و2018، وتتخذ من الصحراء فضاءً للغياب الناطق، لا للصراع
  • آلة التسجيل في الرواية تُمثّل استعارة للذاكرة المشوّهة، التي لا تنقل الحقيقة بل شبحها
  • اللغة في الرواية لا تشرح، بل تومئ، مما يجعلها أقرب إلى التأمل الفلسفي
  • الرواية تطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل نبحث عن الغائبات فنجد أنفسنا؟

التعليقات (0)

أضف تعليقك