المفاهيم الإجرائية والتجريدية بين الدلالة العلمية والتطبيق العملي
المفاهيم الإجرائية تجمع بين الإجراءات العملية والمفاهيم المجردة لتحقيق نتائج منهجية دقيقة
تتنازع المفاهيم في العلوم الإنسانية بين التجريد والإجراء، فالأول يتجه إلى وصف الحقائق والصفات، بينما الثاني يركز على الإجراءات العملية التي تؤدي إلى نتائج محددة، مما يخلق تداخلاً معرفياً يتطلب وضوحاً في التعريفات
المفهوم الإجرائي والمفهوم المجرد
المفهوم الإجرائي هو ذلك الذي يجمع بين إجراءات عملية محددة، تبدأ بمعطيات تُنفذ وفق قواعد وخطوات للوصول إلى نتيجة نهائية، مثل «القسمة المطوّلة»، حيث لا تُذكر خطواتها بشكل مفصل بل تُجمع تحت لفظ جامع. أما المفهوم المجرد فينصرف إلى وصف الماهيات أو الحقائق أو الصفات الجامعة، مثل تسمية «طاولة» التي تجمع أوصافاً ووظائف محددة، مع تقييدها بلفظ إضافي لتفادي الخلط بين وظائفها ووظائف أخرى.
العلاقة بين التجريد والإجراء
توجد مناطق ضبابية بين التجريد والإجراء، إذ قد يجمع المفهوم الواحد بين الجانبين عند النظر إليه من زوايا مختلفة. ففي التعريفات الأكاديمية المعاصرة، تُشترط الفعالية الإنتاجية للمفاهيم، وقد يُنظر إلى «العلم» مثلاً باعتباره مفهومًا لا يمكن تعريفه بالحدّ لغياب إدراك ماهيته، فيُعرّف بنقيضه «الجهل» أو مرادفه «المعرفة». وقد سبق تعريف العلم إجرائياً تعريفه التجريدي، إذ أُخذ العلم تعلماً وتعليماً عملياً قبل أن يُثار الجدل حول تعريفه المجرد.
قوة المفاهيم الإجرائية
إن الجمع بين التجريد والإجراء يمنح المفاهيم قوة دافقة، حتى وإن لم يدرك مستعملوها قيمتها الإجرائية. وقد ظهرت هذه القوة في تصنيفات العلوم مثل العقائد والفقه والمعاملات، التي ظلت آثارها العملية مستمرة عبر القرون. كما برزت فاعلية هذه المفاهيم في علم الدلالة، حيث لم يميز الباحثون عن «الكنز الإجرائي» الذي اكتسبوه دون وعي، مما أتاح تطوير آليات جديدة في مجال التفسير والحديث.
الشك في القرآن والسنة
تناول الباحث أ.د. إدريس نغش الجابري مفهوم «الشك» من منظور دلالي، ففرز دلالاته في القرآن الكريم حيث وردت لفظة «الشك» 15 مرة في 15 آية، مرتبطة بمجالات عقدية مثل التوحيد والكتب والرسل والآخرة. وقد بيّن أن الشك في هذه الحقائق ينبع من ذات الشاك، مما يتطلب البحث عن البراهين بدلاً من الاعتماد على الشك ذاته. أما في السنة النبوية، فقد اتسع دلالة الشك ليشمل العقيدة والعبادة وتجنب الإثم وطلب الآخرة، وارتبطت دلالته بالعمل أكثر من كونه كفراً كما في القرآن.
التأصيل المنهجي للدلالات
أظهر الجابري أن استخدام المفاهيم الإجرائية مثل العقائد والفقه في تعريف الشك أتاح فرز دلالاته بدقة، مما يبرز أهمية التصنيفات المفهومية في توضيح المعاني. وقد تحولت هذه المفاهيم من مجرد تصنيفات تجريدية إلى معايير إجرائية تصنيفية، مما قلل الفجوة بين المعيارية والوصفية، وفتح آفاقاً جديدة لتطوير الدلالات المفاهيمية من خلال التأثيل والبحث والتثبت.
تحليل ذكي:
تسلط هذه المقالة الضوء على العلاقة المعقدة بين المفاهيم الإجرائية والتجريدية في العلوم الإنسانية، حيث تبرز أهمية الجمع بينهما لتحقيق دقة منهجية في التعريفات والتطبيقات. كما تُظهر كيف يمكن للمفاهيم المجردة أن تتحول إلى أدوات إجرائية فعالة عند استخدامها في تصنيفات دقيقة، مما يعزز من قيمتها العلمية ويوسع من مجالات تطبيقها. ويبرز المثال الدلالي لمفهوم «الشك» في القرآن والسنة كيف يمكن للمفاهيم أن تتحول من مجرد كلمات إلى أدوات تحليلية متقدمة، مما يفتح آفاقاً جديدة للبحث العلمي في الدلالات الإسلامية.
ملخص الخبر:
- المفهوم الإجرائي يجمع إجراءات عملية محددة تحت لفظ جامع مثل «القسمة المطوّلة»
- المفهوم المجرد يصف الحقائق أو الصفات الجامعة مثل «طاولة»
- هناك تداخل بين التجريد والإجراء في تعريف المفاهيم، خاصة في العلوم الإنسانية
- «العلم» مثال على مفهوم لا يمكن تعريفه بالحدّ، فيُعرّف بنقيضه «الجهل»
- المفاهيم الإجرائية تمنح العلوم قوة منهجية، كما في تصنيفات العقائد والفقه
- الباحث إدريس نغش الجابري استخدم المفاهيم الإجرائية لفرز دلالات «الشك» في القرآن والسنة
- دلالة «الشك» في القرآن مرتبطة بالعقيدة، بينما في السنة ترتبط بالعمل والعبادة
التعليقات (0)
أضف تعليقك