الثقافة الرقمية بين المشاركة والعمالة المجانية
تحول الجمهور من متلق إلى منتج للمحتوى في ظل هيمنة المنصات الرقمية
أصبحت «ثقافة المشاركة» ظاهرة بارزة في العصر الرقمي، إذ انتقل الجمهور من دور المتلقي السلبي إلى دور المنتج النشط للمحتوى عبر الإنترنت، إلا أن هذه المشاركة تواجه انتقادات حول عدم المساواة في الوصول إلى الفرص وتحقيق الأرباح.
مفهوم ثقافة المشاركة
انتشرت «ثقافة المشاركة» مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الجمهور مجرد متلق للمحتوى، بل أصبح يشارك في إنتاجه ونشره من خلال كتابة التعليقات أو تصوير الأحداث أو إعداد المقاطع أو تعديل المعلومات في المواقع أو المشاركة في الحملات الرقمية. وأصبح الفرد قادراً على الجمع بين دور المستهلك ودور المنتج في الوقت نفسه.
أمثلة على المشاركة
في حالات الحوادث أو الكوارث، ينشر شهود العيان الصور والمقاطع قبل وصول وسائل الإعلام. وفي ويكيبيديا، يشارك المتطوعون في كتابة المعلومات ومراجعتها. أما على منصات يوتيوب وتيك توك، فينتج الأفراد برامج أو تعليقات سياسية أو محتوى تعليمياً يصل إلى جمهور واسع. كما تعتمد العديد من المؤسسات الإعلامية على ما يقدمه الجمهور من أسئلة وصور ومقاطع فيديو.
انتقادات حادة
رغم ذلك، تعرض مفهوم «ثقافة المشاركة» لانتقادات عديدة. يرى بعض الباحثين أن الحديث عن المشاركة هو مبالغة في تصوير قوة الجمهور، إذ لا يملك المستخدمون المنصات التي ينشرون من خلالها، ولا يتحكمون في الخوارزميات التي تحدد مدى وصول المحتوى. فقد ينتشر مقطع ما ثم يختفي بسرعة إذا تغير نظام التوصية، كما تستطيع المنصات حذف الحسابات أو تقليل الوصول إلى المحتوى أو تغيير شروط تحقيق الدخل.
عدم المساواة في المشاركة
لا تتاح المشاركة للجميع بالدرجة نفسها، فهناك اختلافات في سرعة الإنترنت والمهارات الرقمية ومستوى التعليم واللغة والوقت والقدرة المالية. فبإمكان الجميع نظرياً إنشاء حساب، لكن قلة هم من يتمكنون من جذب جمهور واسع أو تحويل نشاطهم الرقمي إلى تأثير أو أرباح مالية. ولهذا، فإن فتح باب المشاركة لا يعني بالضرورة تحقيق المساواة.
العمالة المجانية
من الانتقادات المهمة أن الشركات تستفيد اقتصادياً من عمل المستخدمين، الذين ينتجون المقاطع والصور والتعليقات والمراجعات مجاناً، بينما تحقق المنصات أرباحاً من الإعلانات وجمع البيانات. وقد وصفت الباحثة تيزيانا تيرانوفا هذا النشاط بمفهوم «العمالة المجانية»، حيث يسهم المستخدمون في إنتاج المحتوى وجذب الجمهور وتوفير بيانات تستثمرها المنصات تجارياً دون مقابل. فمثلاً، تعتمد قيمة منصات يوتيوب وتيك توك وإنستغرام على المحتوى والتفاعل الذي ينتجه المستخدمون أنفسهم.
المشاركة بين الإيجابية والسلبية
تتنوع نتائج المشاركة بين الإيجابية والسلبية، فهي تسهم في نشر المعرفة والمعلومات والأفكار الهادفة، لكنها قد تستخدم أيضاً في نشر الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية والتعصب. فالمحتوى المضلل قد ينتشر بمشاركة الجمهور نفسه.
تغير الأسئلة البحثية
تغيرت الأسئلة في الدراسات الإعلامية، فلم يعد الاهتمام منصباً فقط على كيفية مشاركة الجمهور، بل أصبح الباحثون يتساءلون: من يملك المنصة؟ وكيف تعمل الخوارزمية؟ ومن يحصل على الظهور؟ ومن يحقق الأرباح؟ وكيف تجمع البيانات؟ وما حدود حرية المستخدم؟
خلاصة
تظل ثقافة المشاركة مفهوماً مهماً لفهم التحول الرقمي، لكن تفسير الواقع الحالي يتطلب ربطها بدراسة سلطة المنصات والخوارزميات ونفوذ الشركات الكبرى.
تحليل ذكي:
تسلط هذه المادة الضوء على التحول الكبير الذي طرأ على دور الجمهور في العصر الرقمي، حيث انتقل من متلق سلبي إلى منتج نشط للمحتوى. ورغم أن هذه المشاركة تعزز من حرية التعبير وتوفر فرصاً جديدة، إلا أنها تثير تساؤلات حول العدالة في توزيع الفرص والأرباح، فضلاً عن استغلال الشركات للمستخدمين من خلال ما يسمى «العمالة المجانية». كما تبرز المادة أهمية دراسة آليات عمل المنصات والخوارزميات التي تحدد من يرى المحتوى ومن لا يراه، مما يعيد تعريف مفهوم الحرية والمسؤولية في الفضاء الرقمي.
ملخص الخبر:
- تحول الجمهور من متلق إلى منتج للمحتوى عبر الإنترنت في ظل «ثقافة المشاركة».
- مشاركة الجمهور في إنتاج المحتوى تشمل التعليقات والصور والمقاطع والحملات الرقمية.
- لا يملك المستخدمون السيطرة على المنصات أو الخوارزميات التي تحدد وصول المحتوى.
- تفاوتت فرص المشاركة بسبب اختلافات في المهارات والقدرات المالية والتقنية.
- تستفيد الشركات من المحتوى الذي ينتجه المستخدمون دون مقابل، في إطار ما يسمى «العمالة المجانية».
- للمشاركة آثار إيجابية في نشر المعرفة، لكنها قد تؤدي إلى نشر المحتوى المضلل وخطاب الكراهية.
- تغيرت الأسئلة البحثية لتصبح centred حول سلطة المنصات والخوارزميات ونفوذ الشركات.
التعليقات (0)
أضف تعليقك