ارتفاع قياسي لأسعار النفط مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط
تشهد أسعار النفط ارتفاعاً غير مسبوق بنحو 60% هذا الشهر وسط اتساع رقعة الصراع الإيراني الإسرائيلي
واصلت أسعار النفط مكاسبها غير المسبوقة، أمس الاثنين، حيث يتجه خام برنت نحو تسجيل ارتفاع شهري قياسي بنحو 60%، وذلك بعد شن الحوثيين أولى هجماتهم على إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما أدى إلى اتساع رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في المنطقة.
تصاعد الصراع يرفع أسعار النفط
قفزت العقود الآجلة لخام برنت 3.94 دولارات، أو 3.5%، لتصل إلى 116.51 دولاراً للبرميل، بعد أن استقرت على ارتفاع بنسبة 4.2% يوم الجمعة. وبلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 102.14 دولاراً للبرميل، مرتفعاً 1.86 دولاراً، أو 1.87%، بعد ارتفاعه بنسبة 5.5% في الجلسة السابقة.
وقالت فاندانا هاري، مؤسسة شركة "فاندا إنسايتس" لتحليل سوق النفط: "لقد استبعد السوق تقريباً احتمال التوصل إلى حل تفاوضي للحرب، على الرغم من مزاعم ترمب باستمرار محادثات مباشرة وغير مباشرة مع إيران، ويستعد لتصعيد حاد في الأعمال العدائية العسكرية، وهو ما يُعد مؤشراً إيجابياً لأسعار النفط الخام، مع وجود شكوك كبيرة حول توقيت وطبيعة النتيجة".
الولايات المتحدة وإيران تتجهان نحو التصعيد
وصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن الولايات المتحدة وإيران تجتمعان "مباشرة وغير مباشرة"، وأن القادة الإيرانيين الجدد "معقولون للغاية"، وذلك بالتزامن مع وصول المزيد من القوات الأمريكية إلى المنطقة. في الوقت ذاته، أعلن الجيش الإسرائيلي يوم الاثنين أنه يشن هجمات على البنية التحتية للحكومة الإيرانية في جميع أنحاء طهران.
ارتفع سعر خام برنت بنسبة 59% هذا الشهر، مسجلاً أكبر قفزة شهرية، متجاوزاً المكاسب التي شهدها خلال حرب الخليج عام 1990، بعد أن أدى الصراع الإيراني إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وهو ممر مائي رئيس يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
امتداد الحرب إلى البحر الأحمر
امتدت الحرب، التي بدأت في 28 فبراير بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران، لتشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط، حيث شن الحوثيون، المدعومون من إيران، يوم السبت، أول هجماتهم على إسرائيل منذ بداية الصراع، مما أثار مخاوف بشأن الممرات الملاحية حول شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
أعلن الجيش الإسرائيلي يوم الاثنين أن إيران أطلقت عدة موجات من الصواريخ على إسرائيل، كما شنت هجوماً من اليمن للمرة الثانية فقط منذ بدء الحرب.
وقال محللو بنك جيه بي مورغان، بقيادة ناتاشا كانيفا، في مذكرة: "لم يعد الصراع محصوراً في الخليج العربي وحول مضيق هرمز، بل امتد الآن إلى البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم لتدفقات النفط الخام والمنتجات المكررة".
تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي
أدت الحرب في إيران إلى عرقلة نمو الاقتصاد العالمي، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وأظهرت بيانات شركة التحليلات "كيبلر" أن صادرات النفط الخام السعودي، التي تم تحويلها من مضيق هرمز إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بلغت 4.658 ملايين برميل يومياً الأسبوع الماضي. وذكر محللو "جيه بي مورغان" إنه في حال تعطلت صادرات ينبع، فسيتعين على النفط السعودي التوجه نحو خط أنابيب السويس-المتوسط (سوميد) المصري المتجه إلى البحر الأبيض المتوسط.
الهجمات تلحق أضراراً بالمنشآت الحيوية
تصاعدت الهجمات في المنطقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وألحقت أضراراً بمحطة صلالة العمانية، على الرغم من الجهود المبذولة لبدء محادثات وقف إطلاق النار. وأعلنت إيران استعدادها للرد على أي هجوم بري أمريكي، متهمةً واشنطن يوم الأحد بالتحضير لهجوم بري في الوقت الذي تسعى فيه إلى التفاوض.
وعززت باكستان جهودها الدبلوماسية للمساعدة في تخفيف التوترات في الشرق الأوسط، ويؤكد التواصل رفيع المستوى الدور النشط من قبل باكستان في تشجيع الحلول الدبلوماسية للتحديات الإقليمية الراهنة. كما كشف رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف أنه أجرى مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان "مناقشات موسعة" بشأن التصعيد الإقليمي.
وصرح وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، بأنهما ناقشا سبلاً محتملة لإنهاء الحرب في المنطقة بشكل مبكر ودائم، بالإضافة إلى إمكانية إجراء محادثات أمريكية إيرانية في إسلام آباد.
استهداف المنشآت الصناعية في الخليج
قرب مضيق هرمز، تعرّض رصيف بحري في مدينة بجنوب إيران، لضربات أميركية إسرائيلية أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي الأحد. وأوردت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) "شنّ العدو الأميركي الصهيوني هجوماً إجرامياً على رصيف مدينة بندر خمير، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة أربعة آخرين".
وتبنت إيران الأحد هجمات استهداف مصنعي ألمنيوم في البحرين والإمارات يعدّان من الأهم في العالم، ما عزز المخاوف من اضطرابات كبرى في الاقتصاد العالمي. وواصلت إيران وإسرائيل تبادل الضربات الأحد، وأعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عن هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة أدت إلى إلحاق أضرار بمصنعي "ألبا" في البحرين و"الإمارات العالمية للألمنيوم" في الإمارات.
أثر الحرب على صناعة الألمنيوم الخليجية
كانت شركة "ألبا"، إحدى أكبر مصانع الألمنيوم في العالم، أعلنت منتصف مارس الجاري وقف 19% من إنتاجها، بسبب اضطرابات الإمداد الناتجة عن إغلاق إيران مضيق هرمز. وقال الحرس الثوري إن هاتين الشركتين تساهمان في الصناعات العسكرية الأميركية، وإن الضربة جاءت ردا على ضربات أميركية إسرائيلية على منشآت صناعية في الجمهورية الإسلامية.
وقد تلجأ منشآت الألمنيوم الخليجية للمخزون وخطوط إنتاج بديلة لتغطية نقص الإنتاج، في ظل حرصها على الحفاظ على التزاماتها التصديرية وسلاسل التوريد، بحسب الأمين العام للمجلس الخليجي للألمنيوم، محمود الديلمي. وأضاف أن منشآت الألمنيوم في دول الخليج تخضع حالياً لعمليات تقييم لحجم الأضرار والخسائر، عقب الاستهداف الذي طال عدداً من منشآتها في الإمارات والبحرين.
ويصل إجمالي الإنتاج الخليجي من الألمنيوم إلى نحو 6.5 ملايين طن سنوياً، ما يمثل نحو 10% من الإنتاج العالمي، فيما يُصدر 60% من الإنتاج إلى أسواق رئيسة حول العالم، بحسب الديلمي.
وتتصدر الإمارات دول الخليج بإنتاج يتجاوز 2.7 مليون طن سنوياً، تليها البحرين بنحو 1.6 مليون طن عبر أحد أكبر المصاهر العالمية (ألبا)، فيما تنتج السعودية نحو مليون طن سنوياً، في حين يبلغ إنتاج قطر نحو 680 ألف طن، وعُمان نحو 400 ألف طن سنوياً.
تطورات أخرى في أسواق الطاقة
وفي سياق منفصل، أعلنت شركة بينه سون للتكرير والبتروكيميائيات الفيتنامية يوم الاثنين أنها تجري محادثات مع شركاء روس لشراء النفط الخام. وأضافت الشركة أنها ستشتري أيضاً المزيد من النفط الخام من أفريقيا والولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا.
وفي أستراليا، أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي يوم الاثنين، خفض الضريبة على الوقود إلى النصف لتخفيف العبء عن سائقي السيارات الذين يعانون من ارتفاع أسعار البنزين بسبب الحرب في الشرق الأوسط، داعياً إلى ترشيد استهلاك الوقود عن طريق تقليل رحلاتهم.
وتفرض أستراليا حالياً ضريبة قدرها 31 سنتاً من اليورو على كل لتر من البنزين الذي يُباع في محطات الوقود، وستُخفّض إلى النصف لمدة ثلاثة أشهر. وقال مسؤولون: "إن هذا الإجراء سيكلف الحكومة 2.55 مليار دولار أسترالي (1.52 مليار يورو)".
وبحسب البيانات الأسبوعية الصادرة عن السلطات، تكفي احتياطيات البلاد من البنزين 39 يوماً بزيادة طفيفة مقارنة بالأسبوع السابق، بينما تكفي احتياطيات الديزل لثلاثين يوماً.
تعليق عمليات الحفر في الخليج
من جهتها علقت شركة الحفر العربية مؤقتاً تشغيل بعض منصاتها البحرية في الخليج وذلك في ضوء تصاعد وتيرة التوترات والمستجدات المرتبطة بالوضع الإقليمي الحالي. أوضحت الشركة أنها تلقت إشعارات بتعليق تشغيل بعض منصاتها البحرية كإجراء احترازي، وبالتنسيق مع عملائها وأصحاب المصلحة المعنيين، مع إعطاء الأولوية لحماية الأفراد وسلامة الأصول.
وأشارت إلى أن أسطول الحفر البري، الذي يضم 39 منصة، يعمل بكامل طاقته دون انقطاع. وتوقعت أن يكون الأثر المالي على الربع الأول من عام 2026 محدوداً، على أن يتم التعافي مع عودة الظروف إلى طبيعتها واستئناف العمليات التشغيلية.
توقعات بنك باركليز لأسعار النفط
من جهة أخرى، قال محللو بنك باركليز بأن سوق النفط ستفقد 14 مليون برميل يومياً إذا طالت اضطرابات مضيق هرمز، مشيرين إلى أن نطاق الاضطراب والغموض بشأن مدته يعقدان المشهد. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي على النفط هذا العام سيتراوح بين 104 و105 ملايين برميل يومياً.
وذكر بنك باركليز أن حرب إيران تسببت في أكبر صدمة جيوسياسية لأسواق الطاقة منذ حرب الخليج في 1990، مضيفاً في مذكرة: "رغم الضبابية بشأن مفاوضات وقف إطلاق النار، نتوقع في افتراضنا الأساسي عودة العبور الطبيعي من المضيق مطلع الشهر المقبل، ليبلغ متوسط سعر خام برنت 85 دولاراً للبرميل خلال العام الجاري".
لكن البنك يرى أنه في حال استمرار اضطراب الإمدادات من هرمز حتى نهاية أبريل 2026، فقد تتم إعادة تسعير عقود برنت الآجلة إلى 100 دولار للبرميل، أما إذا ما استمرت الاضطرابات إلى نهاية مايو، فقد ترتفع الأسعار إلى 110 دولارات.
تأثير الحرب على الغاز المسال
إلى ذلك، أفادت مصادر بأن خط النفط السعودي شرق-غرب يبلغ طاقته القصوى عند 7 ملايين برميل يومياً، وأن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً، كما تصدر المملكة أيضاً نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين 7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب، يتم توجيه مليوني برميل إلى مصافي التكرير السعودية.
وفي الصين، تتجه واردات الصين من الغاز المسال في مارس نحو أدنى مستوى منذ 8 سنوات، وفقاً لبيانات تتبع السفن التي جمعتها شركة "كبلر"، إذ أدى ارتفاع الأسعار الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط إلى كبح الطلب. تُقدر الواردات بأقل من 3.7 ملايين طن لشهر مارس، حسب شركة "كبلر" التي تعتمد على بيانات الشحن للتنبؤ بعمليات التسليم. وإذا تأكد ذلك، فسيمثل تراجعاً بنسبة تقارب 25% مقارنة بنفس الشهر من عام 2025.
أدت حرب إيران إلى إغلاق أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم لدى قطر، مع توقف الشحن تقريباً عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من التجارة العالمية لهذا الوقود فائق التبريد.
قلصت الشركات الصينية مشترياتها الفورية، واعتمدت بدلاً من ذلك على الغاز المحلي أو الإمدادات عبر خطوط الأنابيب، بعد أن تضاعفت الأسعار الآسيوية تقريباً منذ بداية شهر مارس. استوردت الصين نحو 30% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر العام الماضي، وفقاً لبيانات السفن.
أضرار جديدة في الإمارات
وفي الإمارات، أعلنت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم عن تضرر منشأة الطويلة في منطقة "كيزاد" بعد هجوم إيراني، مشيرة إلى أنه يتم حالياً تقييم حجم الأضرار. وقالت الشركة، إن عدداً من موظفيها أُصيبوا بإصابات تراوحت بين البسيطة والمتوسطة، من دون تسجيل أي إصابات خطيرة.
أوضحت أكبر منتجة للمعدن في الإمارات أن الموقع بلغ إنتاجه 1.6 مليون طن من الألمنيوم المصبوب في 2025، مشيرة إلى أنها تحتفظ بكميات كبيرة من مخزون المنتجات في مواقعها حول العالم، إضافة إلى العديد من الشحنات البحرية التي كانت في طريقها منذ بداية النزاع.
يقع موقع "الإمارات العالمية للألمنيوم" في الطويلة، البالغة مساحته ستة كيلومترات مربعة، ضمن مدينة خليفة الصناعية "كيزاد" وتحديداً في منتصف الطريق الواصل بين مدينة أبوظبي ودبي. وفي بيان الشركة، أكد عبد الناصر بن كلبان، الرئيس التنفيذي لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم أنه "يتم حالياً تقييم حجم الأضرار". تُعدّ الشركة أكبر منتج للألمنيوم عالي الجودة على مستوى العالم وتبلغ حصتها 4% من الإنتاج العالمي، وفق موقعها الإلكتروني، وباعت إجمالي 2.8 مليون طن من الألمنيوم في العام الماضي لأكثر من 50 دولة. كما تصنف نفسها كأكبر شركة صناعية في الإمارات خارج قطاع الغاز والنفط.
تحليل ذكي:
تشهد أسواق النفط العالمية تحولات جذرية بفعل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، حيث يتحول الصراع من نزاع إقليمي محدود إلى تهديد مباشر لاستقرار الإمدادات العالمية. فارتفاع أسعار النفط بنسبة 60% هذا الشهر ليس مجرد تقلب عابر، بل يعكس مخاوف حقيقية من انقطاع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الإمدادات العالمية. هذا الوضع يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات غير مسبوقة، خصوصاً في ظل توقعات بنك باركليز بخسارة 14 مليون برميل يومياً إذا طالت الاضطرابات. كما أن تأثير الحرب يمتد إلى قطاعات أخرى كالغاز المسال، حيث تتراجع واردات الصين إلى أدنى مستوياتها منذ 8 سنوات، ما يهدد سلاسل التوريد العالمية. من الواضح أن المنطقة أصبحت بؤرة جيوسياسية تؤثر في اقتصادات العالم، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لتفادي كارثة اقتصادية محتملة.
ملخص الخبر:
- ارتفاع قياسي لأسعار النفط بنحو 60% هذا الشهر بسبب تصاعد الحرب في الشرق الأوسط
- إغلاق مضيق هرمز فعلياً يؤثر في 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية
- هجمات الحوثيين على إسرائيل وتهديدات إيران بتوسيع الصراع إلى البحر الأحمر
- تعطل صادرات النفط السعودي عبر ميناء ينبع في حال استمرار الاضطرابات
- خسائر فادحة في صناعة الألمنيوم الخليجية بعد استهداف مصانع في البحرين والإمارات
- تراجع واردات الصين من الغاز المسال إلى أدنى مستوى منذ 8 سنوات بسبب ارتفاع الأسعار
- تعليق عمليات الحفر البحرية في الخليج كإجراء احترازي لحماية الأصول
- توقعات بارتفاع أسعار النفط إلى 110 دولارات للبرميل إذا استمرت الاضطرابات حتى مايو 2026
التعليقات (0)
أضف تعليقك