عاجل

شيخ العلم والدعوة محمد النفيسة.. رحلة حياة بين المكتبات والمساجد

تأثر الناس بسمته ووقاره وأخلاقه العذبة، فكان معلماً ومربياً وداعيةً محبوباً

صورة للشيخ محمد بن عبدالرحمن الخطيب النفيسة -رحمه الله-، رجل العلم والدعوة في الرياض، جالساً في مكتبته الصغيرة بسوق المعيقلية، محاطاً بالكتب والمتاع.

كان محمد بن عبدالرحمن الخطيب النفيسة -رحمه الله- رجلاً فاضلاً جمع بين العلم والدعوة والتربية، فترك أثراً كبيراً في نفوس من عاصروه من خلال مكتباته ومساجده ودروسه، حتى صار رمزاً للوعظ والإرشاد في الرياض

ولد محمد النفيسة -رحمه الله- عام 1333هـ في مدينة ضرماء، لأسرة عريقة في العلم والأدب، فكان والده عبدالرحمن النفيسة من طلبة العلم المعروفين بلقب «الخطيب»، وقد تلقى تعليمه على يديه قبل أن ينتقل إلى الكتاتيب في ضرماء. حفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية، ثم التحق بمدرسة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله-، حيث نال علوم الفقه والتوحيد والنحو، وكان من أقران الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وكانت بينهما صداقة قوية، كما رافقاه في رحلة الحج، حيث كانا يرشدان الحجاج في مناسكهم. تميز بحفظ صحيح البخاري ومسلم، وكان كثير المطالعة والتأمل في النصوص الشرعية.

بدأ حياته العملية موظفاً في مصلحة الزكاة، حيث كان يجوب أنحاء المملكة لجمع زكاة بهيمة الأنعام. ثم عُين إماماً لمسجد مبنى السيارات التابع للملك سعود -رحمه الله-، فمسجد السويلم، ثم انتقل إلى حي أم سليم حيث ظل إماماً ومرشداً حتى عام 1400هـ. لم يقتصر دوره على إمامة المصلين، بل كان يحرص على إقامة دروس يومية بعد صلاة العصر والعشاء، مستغلاً المواسم الدينية مثل رمضان والحج لتعزيز القيم الإسلامية. كما عمل معلماً في منطقة عسير عام 1374هـ، حيث جمع بين التعليم والتربية، وغرس في نفوس تلاميذه مراقبة الله عز وجل كأساس للتربية الإسلامية. تولى إدارة المدرسة التي درّس فيها، وكان مسؤولاً عن المعلمين والطلبة، معتمداً في ذلك على الأخلاق والدين القويم.

اقرأ أيضاً:
الفود ترك.. من شغف البيت إلى مشروع تجاري ناجح

كان النفيسة -رحمه الله- رجلاً هادئاً، يتسم بدماثة الأخلاق ورفعة السلوك، وكانت كلماته رقيقة فصيحة تدخل القلوب بدون استئذان. لم يكن حديثه مقتصراً على البيع والشراء في دكانه بسوق المعيقلية، بل كان يغلب عليه الوعظ والإرشاد، مستشهداً بالأشعار والحكم والزهد. كان محبوباً من جميع طبقات الناس،無論 في المسجد أو السوق أو الحي، وكان يدخل على المحلات التجارية ويلقي السلام، وينصح بلباقة وحكمة. وصفه نجله سعد بأنه «مخزن الفوائد والفرائد»، لما كان يفيض به من علم ونصائح. تميزت حياته كلها للدعوة إلى الله، فكان يطرح على الشباب أسئلة تثير حماسهم لتعلم أمور دينهم، سواء في المسجد أو في الحفلات التجارية أو في الأحياء التي يسكنها.

ألف النفيسة -رحمه الله- كتاب «الدرر والمواعظ النفيسة»، الذي جمع فيه الكثير من حكمه ومواعظه، وأهداه إليه نجله عبدالرحمن بعد تسعة أعوام من وفاته. كما أعد كتاباً في المواعظ والرقائق لم ينشر في حياته، ثم جمع حفيده عبدالله وابنه سعد أوراقه، وأصدرته اللجنة العلمية في ديار نجد للنشر والتوزيع عام 1426هـ. تضمن الكتاب نصائح تحذيرية وترغيبية، مستندة إلى القرآن والسنة، تحث على تذكر الهدف من الحياة وتجنب الغفلة. كما ألف رسالة في دعاء ختم القرآن الكريم، وأهداها إلى أحد معارفه. كان محباً للكتب، وكان يحتفظ بمجموعة نفيسة من المؤلفات، مثل «عين الأدب والسياسة» لعلي بن هذيل، و«العقيدة الطحاوية» مع حاشية الشيخ محمد بن مانع، و«رسم القلم» للسيد أحمد الهاشمي، و«الكنز المدفون والفلك المشحون» المنسوب للسوطي (الذي تبين لاحقاً أنه ليونس المالكي).

توفي محمد النفيسة -رحمه الله- بتاريخ 1/7/1417هـ، تاركاً وراءه إرثاً عظيماً من العلم والدعوة والتربية. كان رجلاً محبوباً من جميع الناس،無論 فقراء أو أغنياء، وكان يتعهد الفقراء والمساكين بالمساعدات، دون أن يعلم أحد بذلك إلا بعد وفاته. وصفه من عاصروه بأنه رجل «مخلص صادق، تسبق دمعته عباراته، ورقة قلبه»، وكان حديثه «السحر الحلال» لما كان ينتقي كلماته بانتقاء مذهل ومرتب. رحم الله الشيخ محمد بن عبدالرحمن الخطيب النفيسة، فقد كان بحق رجلاً جعل الله له القبول عند الناس، وكانت له أيادٍ بيضاء على المجتمع.

لا تفوتك هذه القصة:
زلزال خفيف يضرب محافظة سليانة التونسية دون خسائر

تحليل ذكي:

يبرز في شخصية محمد النفيسة -رحمه الله- الجمع بين العلم العميق والدعوة الهادئة، فكان رجلاً استطاع أن يجعل من حياته كلها رسالة دعوية،無論 في المسجد أو السوق أو الحي. تميز بدماثة الأخلاق ورفعة السلوك، فكان حديثه無論 في الوعظ أو في البيع والشراء، يحمل في طياته الحكمة والنصح. كما كان رجلاً متواضعاً، لا يبخل بفوائده على أحد،無論 كان من تلاميذه أو جيران الحي أو حتى باعة السوق. إرثه لا يقتصر على الكتب والمؤلفات، بل في القلوب التي تأثرت به، وفي الأجيال التي استفادت من علمه وتربيته.

ملخص الخبر:

  • ولد محمد النفيسة عام 1333هـ في ضرماء، لأسرة عريقة في العلم والأدب.
  • تلقى تعليمه على يد والده ثم في كتاتيب ضرماء، وحفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية.
  • درس في مدرسة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ونال علوم الفقه والتوحيد والنحو.
  • عمل موظفاً في مصلحة الزكاة، ثم إماماً لعدد من المساجد في الرياض، وكان يحرص على إقامة دروس يومية بعد الصلاة.
  • عمل معلماً في منطقة عسير، وجمع بين التعليم والتربية، وغرس في نفوس تلاميذه مراقبة الله عز وجل.
  • تميز بدماثة الأخلاق ورفعة السلوك، وكان حديثه無論 في الوعظ أو في البيع والشراء، يحمل الحكمة والنصح.
  • ألف كتاب «الدرر والمواعظ النفيسة»، وكتاباً في المواعظ والرقائق لم ينشر في حياته، ثم جمع حفيده وابنه أوراقه وأصدروه عام 1426هـ.
  • توفي عام 1417هـ، تاركاً إرثاً عظيماً من العلم والدعوة والتربية.

التعليقات (0)

أضف تعليقك