عاجل

بينالي الدرعية 2026 يحوّل الثواني إلى دقائق من التأمل الفني

تجربة بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 تثبت أن الفن قادر على تحويل الزمن إلى تجربة تأملية عميقة تتجاوز النظر العابر

صورة توضح visitors in the third edition of the Diriyah Contemporary Art Biennale 2026 exploring interactive art installations in Al-Jax neighborhood

في زمن يتسارع فيه كل شيء، يقف حي جاكس في الدرعية شاهداً على ثورة فنية حقيقية، حيث لم تعد الثواني العابرة كافية لاستيعاب الأعمال الفنية، بل تحولت إلى دقائق من التأمل العميق، بفضل رؤية مبتكرة قادتها نورة رازيان وصبيح أحمد في النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026

الفن يتجاوز النظر إلى التأمل

منذ أن قال علماء السلوك إن الزائر العادي يمنح العمل الفني 27 ثانية فقط من حياته، بدت القاعدة وكأنها قانون لا يتغير. في تلك الثواني الخاطفة، تلتقط العين الألوان والأشكال، وتسترق النظر إلى البطاقة التعريفية باحثة عن اسم الفنان، وكأنها تؤدي واجباً بصرياً سريعاً. لكن في حي جاكس، حيث انطلقت النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026، سقطت هذه القاعدة تماماً. لقد نجح الفضاء الإبداعي في ترويض الزمن، محولاً الثواني العابرة إلى دقائق من الاستغراق الذهني، مؤسساً لما يعرف في أدبيات تنظيم المعارض بـ«اقتصاد التأمل».

من جدران خشنة إلى مختبر للوعي

منذ نسخته الأولى عام 2021 بقيادة فيليب تيناري، رافقتُ مراحل تأسيس وانطلاق هذا البينالي. واليوم، نصل في نسخته الحالية إلى مرحلة تمكين المتلقي بقيادة المديرين الفنيين نورة رازيان وصبيح أحمد. لم تعد المستودعات الـ 100 مجرد جدران خشنة، بل تحولت برؤية نورة رازيان وفريقها إلى مختبر حي للوعي يكسر هيبة المتاحف التقليدية، ويتيح للزائر الشعور بالأمان البصري.

اقرأ أيضاً:
التحيز الثقافي.. عدسة لا تُرى تُشوّه رؤية العالم

هندسة الانتباه عبر كوريغرافيا بصرية

ومن واقع ممارستي الميدانية كمنظمة معارض ومدربة للفنون البصرية، أجد أن النسخة الحالية نجحت في هندسة الانتباه عبر كوريغرافيا بصرية صممها سامي زرقا. تتحكم المسارات المتعرجة وتقنية التضييق والاتساع المكاني في أنفاس الزائر، وتجبر حواسه على التباطؤ. وفي «سوالفنا الثقافية» المهنية، نتحاور دائماً كمتخصصين حول سر البقاء في العمل الفني، وهو ما نراه اليوم عبر الاستثمار المكثف في «الجلسات الحوارية» التي تقودها نورة رازيان. تصبح هذه الجلسات جسراً معرفياً يمتد لما وراء «النظر»، فالمتلقي الذي ينخرط في حوارات حول أعمال كمالا إبراهيم إسحاق أو زهراء الغامدي يتجاوز قيد الثواني إلى دقائق من التأمل الوجودي.

نظام بيئي فني مستدام

ما يمنح حي جاكس زخمه الحقيقي هو هذا التماهي بين الأعمال المتنقلة للبينالي والمراسم الدائمة لمبدعين مثل أحمد ماطر ونورة بن سعيدان وسلطان بن فهد. هذا النظام البيئي الفني يحول الحي إلى منظومة إنتاج مستدامة، وهو المفهوم الذي يتم العمل عليه لرفع القوة الجاذبة للمكان ودعم رواد الأعمال المحليين في منطقة جاكس فليفورز، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.

دعوة لعقد ندوة وطنية

وبناءً على هذه التجربة، أدعو إلى عقد ندوة وطنية موسعة حول «مستقبل تنظيم المعارض الفنية وأثرها الاقتصادي»، لنقل هذه التجارب الميدانية إلى معايير عرض وطنية شاملة، ونناقش كيف نحول المشاهد العابر إلى شريك فكري. لقد أثبتت الدرعية اليوم أن الفن ليس ما نراه فحسب، بل هو القدرة على استيقافنا في زمن متسارع، لنبصر.. لا لننظر فقط.

لا تفوتك هذه القصة:
ندوة ثقافية تبحث أوجه التشابه بين الموشحات الأندلسية والبانتون الماليزي

تحليل ذكي:

تعد النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 تحولاً نوعياً في تجربة الفن المعاصر، حيث لم تعد المعارض مجرد عروض مرئية عابرة، بل تحولت إلى تجارب تأملية عميقة تتفاعل مع المتلقي على مستوى الوعي والإدراك. هذا التحول يعكس تطوراً في دور الفن في المجتمع، من كونه مجرد عمل بصري إلى كونه أداة للتغيير الفكري والاقتصادي. كما أن التركيز على «اقتصاد التأمل» يشير إلى توجه جديد في تنظيم المعارض، حيث يصبح الفن محركاً للتنمية المستدامة ودعم رواد الأعمال المحليين، مما يدمج الفن في نسيج الاقتصاد المحلي ويعزز من مكانة الدرعية كمركز إبداعي عالمي.

ملخص الخبر:

  • بينالي الدرعية 2026 يحوّل الثواني العابرة إلى دقائق من التأمل العميق عبر هندسة بصرية مبتكرة
  • نورة رازيان وصبيح أحمد يقودان النسخة الحالية بتركيز على تمكين المتلقي وتحويل المساحات إلى مختبرات للوعي
  • كوريغرافيا بصرية صممها سامي زرقا تجبر حواس الزائر على التباطؤ وتعميق التفاعل مع الأعمال الفنية
  • جلسات حوارية تقودها نورة رازيان تتجاوز النظر إلى التأمل الوجودي عبر مناقشة أعمال فنانين مثل كمالا إبراهيم إسحاق وزهراء الغامدي
  • نظام بيئي فني مستدام يجمع بين الأعمال المتنقلة والمراسم الدائمة لمبدعين محليين ودوليين
  • دعوة لعقد ندوة وطنية حول مستقبل تنظيم المعارض الفنية وأثرها الاقتصادي لدعم رواد الأعمال المحليين

التعليقات (0)

أضف تعليقك