الكتابة في أجناس متعددة بين التجريب والانحراف عن المسار
تتنازع الكتّاب ظاهرتا التجريب في الأجناس الأدبية والتشبث بمسار واحد
لوحظ في أوساط الكتّاب العرب انتشار ظاهرة الكتابة في أكثر من جنس أدبي، بدءاً بالشعر والقصة والرواية والنقد والمسرح والمقالة، إلا أن الحظوة الكبرى عند القراء لا تتسع لكل ما يكتبونه، مما أثار تساؤلات حول أسباب هذا التنقل بين الأجناس، أهو تجريب أم تطور أم انحراف عن الصراط الأدبي؟
التجريب بين النجاح والاخفاق
يرى الناقد الدكتور أحمد سماحة أن ظاهرة الكتابة في أجناس متعددة لفتت انتباه العديد من النقاد والكتاب، مشيراً إلى أن بعض المبدعين العرب والعالميين نجحوا في تقديم تجارب متنوعة في الإبداع، مثل الدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم وغازي القصيبي وعلي الدميني ودوستويفسكي وتولستوي. وأكد أن المتلقي والوسط الأدبي غالباً ما يتوقفون عند جنس أدبي واحد لكل مبدع، فالدقيني يُعرف بشاعر، والقصيبي بروائي، لافتاً إلى أن المتلقي يرى الكاتب من خلال ثقافته وهويته.
الموهبة مقابل الصناعة
ذهب الشاعر عبدالعزيز أبو لسة إلى أن الكتّاب ينقسمون إلى قسمين: قسم موهوب يمتلك قدرة فطرية عززتها القراءات المعمقة، وقسم آخر يكتب في مجالات عدة لكنه مصنوع لا مطبوع، يتكلف العبارة ويبحث عن جنس أدبي دون أن يلفت انتباه القارئ بلمسة إبداعية. وأشار إلى أن النقد يتطلب ثقافة موسوعية وإلماماً بالنظريات النقدية شرقاً وغرباً، لافتاً إلى أن الشعر والقصة والرواية تمارسها روح المبدع، بينما النقد صنعة منهجية.
حرية الإبداع وتعدد الأجناس
ترى الكاتبة أمل فارس أن الكاتب ليس ملزماً بالبقاء داخل جنس أدبي واحد، إذ أن تاريخ الأدب العالمي حافل بكتّاب خاضوا غمار أجناس متعددة، مثل خورخي لويس بورخيس الذي نجح في القصة القصيرة والشعر والمقال الفلسفي والنقد والترجمة، وغوته الذي كتب الشعر والرواية والمسرح والفكر، وطاغور الذي برع في الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح والمقال إضافة إلى الموسيقى والرسم. وأكدت أن الإبداع فعل فوضوي قائم على التجريب، وأن التنوع في الأجناس ليس عيباً بل جزءاً من نضج الكاتب الفني.
نهاية عصر الموسوعي
أشار المستشار الثقافي الدكتور زيد الفضيل إلى أن الشعر ليس واحداً في أصله، فثمّة فرق بين القصيدة المصنوعة والقصيدة الإبداعية، كما هو الحال في أجناس الأدب الأخرى. وأكد أن النقد صنعة منهجية يمكن تعلمها، لكنه لا يتناسب مع الشاعر المبدع أو الروائي الحقيقي، لأن الإبداع شعور بالحرية لا يكبته إلا النقد. ولفت إلى أن الفنون بدأت تنشطر بشكل كلي، وبرز روادها المتخصصون، مما أنهى عصر الموسوعي الذي كان يجمع بين عدة مجالات.
الانتقال لا التنكّب
أكد الناقد الدكتور إبراهيم المرحبي أن ظاهرة الكتابة في أجناس متعددة يمكن قراءتها بوصفها انتقالاً لا انحرافاً، أي عبوراً من مسار واحد إلى فضاء أوسع. واعتبر الكتابة في أجناس عدة مهارة تتطلب قدرات فنية وطاقات خيالية واسعة، وإلا تحولت إلى مجرد تكاثر كتابي. ولفت إلى أن الكاتب يكون شاعراً حين تتكثف الصورة والإيقاع، وقاصّاً حين تحتاج الفكرة إلى مفارقة، وروائيّاً حين تتسع الرؤية، وناقداً حين يميل إلى مساءلة النصوص. ورأى أن الشمولية نوع من الوعي الحركي يعبّر عن تحول في تصور التجربة الإبداعية.
تحليل ذكي:
تسلط الظاهرة الأدبية المتمثلة في كتابة الكتّاب في أجناس متعددة الضوء على صراع بين التجريب والانضباط في الإبداع. فمن جهة، يبرز التجريب كوسيلة للتطور الفني، حيث يرى بعض النقاد أن التنوع في الأجناس يعكس نضج الكاتب وقدرته على التعبير عن تجربته الإنسانية بأشكال مختلفة. ومن جهة أخرى، يحذر آخرون من أن هذا التنوع قد يؤدي إلى تشظي فكري أو ضعف في العمق الإبداعي، خاصة إذا غاب المشروع الفكري الواضح الذي يربط بين هذه الأجناس. كما تبرز الظاهرة أيضاً تفاوتاً بين الموهبة الفطرية والصناعة الأدبية، حيث يرى بعض الكتّاب أن الكتابة في أجناس متعددة تتطلب موهبة فطرية لا يمكن تعويضها بالقراءات أو التدريب.
ملخص الخبر:
- ظاهرة الكتابة في أجناس أدبية متعددة تلفت انتباه النقاد والكتّاب على حد سواء
- بعض المبدعين العرب والعالميين نجحوا في تقديم تجارب متنوعة في الإبداع
- المتلقي غالباً ما يتوقف عند جنس أدبي واحد لكل مبدع، مما يحد من حظوته في أجناس أخرى
- الكتّاب ينقسمون إلى موهوبين وصناعيين، حيث يختلف مستوى الإبداع بين الفريقين
- النقد يتطلب ثقافة موسوعية وإلماماً بالنظريات النقدية شرقاً وغرباً
- الإبداع فعل فوضوي قائم على التجريب، والتنوع في الأجناس ليس عيباً بل جزءاً من النضج الفني
- الفنون بدأت تنشطر بشكل كلي، وبرز روادها المتخصصون، مما أنهى عصر الموسوعي
- ظاهرة الكتابة في أجناس متعددة يمكن قراءتها بوصفها انتقالاً لا انحرافاً
التعليقات (0)
أضف تعليقك