الفن في شوارع الرياض يتحول إلى تجربة حياتية متجددة
تتنوع الأعمال الفنية العامة في الرياض بين الرمزية والحركة والضوء، لتشكل نسيجًا بصريًا وثقافيًا متكاملًا في قلب العاصمة
تتحول شوارع الرياض ومفاصلها الحضرية إلى معرض فني مفتوح، حيث تلتقي أعمال فنية متنوعة بين الضوء والفولاذ والصوت والكلمة، لتعيد تعريف العلاقة بين الفن والمكان والجمهور في سياق الحياة اليومية
الفن يتجذر في نسيج المدينة
تنتمي الأعمال الفنية المنتشرة في أرجاء الرياض إلى مدارس فنية متباينة، وتتنوع موادها بين الفولاذ والصوت والضوء والكلمة، لكنها تلتقي في فضاء واحد يجعل الفن حاضرًا في الطرق والساحات ومحطات القطار ومواقع العمل، بل وفي تفاصيل الحياة اليومية. ويستحضر أحد الأعمال القمر بوصفه رمزًا للوداع والتجدد والذاكرة، في إشارة إلى الممارسات الفنية التي تتناول الذاكرة والهوية الثقافية.
منحوتات تتفاعل مع الحركة
في مركز الملك عبدالله المالي "كافد"، يحضر عمل "جايني وايني" للفنان ألكسندر كالدر، الذي يعود إلى عام 1969 ويتكون من منحوتة ضخمة من الفولاذ المطلي. تستولد المنحوتة إحساسًا بالحركة من خلال مستوياتها المتوازنة ومنحنياتها الواسعة، وتتغير إدراكاتها مع حركة المشاهدين حولها، لتخلق علاقة مباشرة بين العمل وحركة المشاة والعمارة المحيطة.
ويقدم الفنان الهندي سوبوده غوبتا في "كافد" أيضًا عمله "شجرة العائلة" (2020)، الذي يشكل شجرة ضخمة من أدوات منزلية من الفولاذ المقاوم للصدأ. يتحول العمل إلى تكوين متفرع يربط بين الذاكرة الجماعية وحياة المدينة المعاصرة، ليصبح معلمًا فنيًا ونقطة تجمع في قلب المنطقة.
رموز بصرية في قلب العاصمة
في ساحة الوصول بـ"كافد"، يحضر عمل "LOVE" للفنان روبرت إنديانا، المكون من أربعة أحرف متراكبة يتوسطها حرف "O" المائل، والذي ارتبط باسم الفنان منذ ستينيات القرن الماضي. يمنح موقع العمل في ساحة تشهد حركة مستمرة للمشاة والزوار صيغة مختلفة للتفاعل معه، بوصفه جزءًا من المشهد اليومي.
وفي الحي الدبلوماسي، يقدم الفنان جيف كونز عمل "ألماسة أحمر" أمام قصر الثقافة، وهو منحوتة من الفولاذ المقاوم للصدأ شديد الصقل، تحاكي هيئة حجر كريم متعدد الأوجه. تتغير صورتها باستمرار وفق زاوية النظر والبيئة المحيطة، لتلتقي بالعمارة والضوء والجمهور في تفاعل مستمر.
ضوء يتحول إلى معلم حضري
عند تقاطع طريق الملك عبدالعزيز مع طريق هشام بن عبدالملك، يمتد عمل "الجري إلى ما وراء" للفنان الإيطالي أنجيلو بونيلو فوق جسر للمشاة. يحول العمل هيئة الجسد الإنساني في أثناء الحركة إلى سلسلة من الظلال المضيئة باستخدام إضاءة "LED"، في دورة بصرية توحي بالانطلاق والاستمرار والعودة. يسهم موقعه فوق جسر المشاة في وصل مضمون العمل بحركة الطريق والمارة، ليحوّل نقطة عبور حضرية إلى معلم ضوئي في المشهد الليلي للعاصمة.
شبكة فنية تمتد عبر المدينة
يأتي هذا التنوع ليكشف أحد أبرز ملامح الفن العام في الرياض، حيث لا يتوقف حضور الأعمال عند قيمتها الفنية أو أسماء مبدعيها، بل يمتد إلى علاقتها بالمكان الذي تحتضنها، وإلى الطريقة التي يتفاعل بها الجمهور معها في سياق حياته اليومية. وتتوزع أعمال "الرياض آرت" في بيئات حضرية متنوعة، بما يسهم في تكوين شبكة من الفن العام تمتد عبر المدينة، وتضيف إلى الطرق والساحات ومحطات النقل والمناطق الثقافية والاقتصادية أبعادًا بصرية وثقافية جديدة.
الفن ضمن رؤية مستقبلية
يتكامل هذا المسار مع برامج "الرياض آرت" الأخرى، مثل "نور الرياض" و"ملتقى طويق للنحت"، الذي يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم لإنتاج أعمال نحتية دائمة. يأتي تطوير الفن العام في العاصمة ضمن التحولات التي تشهدها الرياض في إطار رؤية السعودية 2030، وما توليه من اهتمام بتعزيز جودة الحياة وتنمية القطاع الثقافي والإبداعي، وترسيخ مكانة الرياض بوصفها وجهة عالمية للفنون والثقافة.
الفن جزء من إيقاع الحياة
بين أعمال كالدر وغوبتا وإنديانا في "كافد"، و"ألماسة" كونز في الحي الدبلوماسي، وضوء بونيلو الممتد فوق الطريق، تتشكل في الرياض تجربة لا يعود فيها الفن غريبًا عن المدينة أو منفصلًا عن إيقاعها؛ بل يصبح جزءًا من المكان، ومن حركة الناس فيه، ومن صورتها المتجددة
تحليل ذكي:
تظهر تجربة الفن العام في الرياض كيف يمكن للفن أن يتحول من مجرد أعمال معروضة إلى جزء لا يتجزأ من نسيج المدينة وحياتها اليومية. تتنوع المواد والأشكال الفنية، لكنها تلتقي في هدف مشترك هو خلق تفاعل مباشر بين العمل الفني والمكان والجمهور، مما يعزز من جاذبية العاصمة كوجهة ثقافية عالمية. كما تكشف هذه التجربة عن دور الفن في تعزيز الهوية الثقافية وتوثيق الذاكرة الجماعية، فضلًا عن دوره في تحفيز الحركة الاقتصادية والثقافية من خلال جذب الزوار وتحويل المناطق الحضرية إلى مساحات حيوية للتجمع والتأمل.
ملخص الخبر:
- انتشار أعمال فنية عامة متنوعة في الرياض بين الفولاذ والضوء والصوت والكلمة
- استحضار بعض الأعمال رموزًا للوداع والتجدد والذاكرة في سياق فني متجدد
- وجود أعمال فنية بارزة في "كافد" مثل "جايني وايني" و"شجرة العائلة" و"LOVE"
- تحويل الفن العام في الرياض إلى تجربة تفاعلية مع حركة المشاة والبيئة الحضرية
- دور "الرياض آرت" في إنشاء شبكة فنية تمتد عبر المدينة وتضيف أبعادًا ثقافية جديدة
- تكامل الفن العام مع برامج ثقافية أخرى ضمن رؤية السعودية 2030
التعليقات (0)
أضف تعليقك