أين الصحافة الفنية من النهضة الثقافية السعودية؟
غياب النقد الفني وغياب الصحفيين المتخصصين يثيران علامات استفهام حول مستقبل الصحافة الفنية في ظل النهضة الثقافية السعودية
في ظل النهضة الفنية والثقافية غير المسبوقة التي تشهدها السعودية اليوم، يطفو سؤال جوهري على السطح: أين الصحافة الفنية من هذا التحول؟ لقد تراجع دور الصحفيين المتخصصين الذين كانوا يوماً ما مرآة للحركة الفنية، وأصبح المشهد الإعلامي الفني يغلب عليه الطابع الترفيهي السطحي، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الصحافة الفنية ودورها في توثيق الذاكرة الفنية.
النشأة والتحول: من صفحات يومية إلى هامش ترفيهي
منذ عقود، كانت الصحف الورقية السعودية تخصص صفحات يومية للفن، تحتضن أسماء صحفية صنعت حضوراً لافتاً وأسست مدرسة حقيقية في النقد والتوثيق الفني. من بين هؤلاء: عثمان العمير، لطفي زيني، زيني عبدالغفار، حمدان صدقة، محمد رجب، عبدالله الجفري، محمد طلعت، هاني فيروزي، حسين علي حسين، حمد القاضي، جلال أبو زيد، علي فقندش، سهيل طاشكندي، يحيى مفرح زريقان، عبدالرحمن بحير، وأحمد مكي، وصلاح مخارش. لم يكونوا مجرد ناقلي أخبار، بل صناع ذائقة فنية، وكتّاباً يملكون أدوات نقد ووعي بتاريخ الفن.
لكن مع مرور الزمن، تراجع هذا الدور تدريجياً، ثم تضاءل بسبب غياب معظم هذه الأسماء إما بسبب تغير مسارها أو مرضها أو رحيلها. وفي المقابل، تقدّم من لا يمتلك أدوات المهنة إلى الواجهة، مما أدى إلى اختفاء الصفحات الفنية اليومية وتحولها إلى هامش ترفيهي. وأصبح المشهد الإعلامي الفني يغلب عليه الطابع السطحي، حتى باتت السجادة الحمراء مسرحاً لأسئلة باهتة من نوع «فستانك من وين؟» بدلاً من أسئلة تفكك العمل الفني نقداً وتحليلاً.
عايض يوسف يفتح باب النقاش
جاءت تغريدة الفنان عايض يوسف كجرس إنذار من داخل الوسط الفني، لتعيد فتح النقاش حول وضع الإعلام الفني المحلي. قال عايض إن الإعلام الفني «ضعيف مقارنة بالآخرين»، وإن ما نراه «جهود فردية»، وإن بعض الأخبار «لا تمس عاداتنا وتقاليدنا»، لأن من يكتبها «ليس سعودياً». هذه الكلمات لم تكن مجرد رأي عابر، بل صرخة من داخل الوسط الفني تكشف حجم الفجوة بين حركة فنية متسارعة وإعلام لا يواكبها ولا يفهم خصوصيتها.
الفن السعودي اليوم بات يصنع تاريخاً جديداً ويحتاج إلى من يصنع الصحافة الفنية «يحلل ولا يجامل ويصنع ذاكرة لا ضجيجاً عابراً». فالفن السعودي يخطو بثقة نحو العالمية، لكن ينقصه إعلام فني محترف، لأن الصحافة الفنية ذاكرة وطنية لا غنى عنها.
أسباب التراجع: من غياب الكوادر إلى غياب الاستراتيجية
الصحفي الفني عبدالله الينبعاوي يرى أن ضعف الإعلام الفني لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى تداخل عوامل عدة. أهمها غياب الكوادر المتخصصة، فكثير من العاملين في المجال الإعلامي يغطّون الفن من منظور ترفيهي سطحي، دون خلفية نقدية أو معرفة بالفن. كما أن بعض المؤسسات الإعلامية لا تعامل الفن بوصفه مكوناً من مكونات الهوية الثقافية، بل بوصفه مادة للترفيه، مما يجعل التغطية الفنية محدودة في عمقها أو غائبة تماماً في مواسم غير تجارية.
ويضيف الينبعاوي أن غياب إستراتيجية واضحة تربط بين الجهات المعنية بالمؤسسات الإنتاجية والفنية يؤدي إلى عدم تكامل الجهود في إبراز المشهد الفني. ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت الأبواب للجميع، إلا أنها ساهمت في تقليص قيمة الصحافة الفنية الجادة، إذ أصبحت الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات لا بنوعية المحتوى.
الهواة المتحمسون يتربعون على العرش
الصحفي والمؤرشف الفني محمد العشيوي يوضح أن تغريدة عايض يوسف لم تكن مجرد شكوى عابرة، بل صرخة تعكس غياب المتخصصين واحتلال المساحة من قبل غير المتخصصين. يقول العشيوي: «رأيت كيف يتقدّم الهواة المتحمسون بينما يتراجع المؤهلون الصامتون». ويؤكد أن التوثيق الفني جزء من الذاكرة الثقافية، والصحفي الذي لا يعرف تاريخ الفن لا يستطيع أن يحميه.
ويتابع: «المهنة لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق السؤال، وبالقدرة على قراءة المشهد بما يتجاوز الترند». ويشير إلى أن الصحافة الفنية تحتاج إلى استعادة التخصص، وإلى منح المجال لمن يعرف أن الفن ليس للتصفيق فقط، بل للفهم أيضاً. فالأرشيف لا يصنع نفسه، والذاكرة إن لم تُكتب باحتراف، سيكتبها آخرون بطريقة مبتورة.
إعلاميون أم مراسلون موسميون؟
العشيوي يضيف أن المشكلة لا تتعلق بنقص المنابر الإعلامية، بل بنقص الاختصاص. هناك فرق كبير بين الصحفي الفني وبين المراسل الذي يزور السجادة الحمراء كما يزور «مولاً تجارياً»، يلتقط صوراً وينقل انطباعات سطحية ينتهي أثرها مع انتهاء الحدث.
ويقول: «الصحافة الفنية في جوهرها ليست تغطية، بل فهم. ليست سؤالاً عن الأزياء، بل عن التطور الموسيقي، وخيارات النص، وتحوّلات الذائقة، ودور المنصات، وأثر الجمهور». ويؤكد أن بناء إعلام فني محترف يتطلب وجود صحفي يعرف تاريخ الفن، ويمتلك لغة نقد، ويمارس شغفه كباحث قبل أن يكون ناقلاً.
السجادة الحمراء.. أسئلة لا تمس الفن
العشيوي يعقب على الموضوع قائلاً: «من موقعي كصحفي مهتم بتوثيق الحركة الفنية وتحليل مساراتها، لا أرى الصحافة الفنية مجرد خبر أو تغطية عابرة، بل أراها سجلاً تاريخياً يحفظ الذاكرة ويصنع أرشيفاً».
ويشير إلى أن ضعف الصحافة الفنية لا يقتصر على الحضور فقط، بل على المهنية والوعي والعمق. فبدلاً من أسئلة النقد والتحليل، باتت الأسئلة سطحية لا تتجاوز «وش حابة تقولين لجمهورك؟» أو «من صمم الفستان؟» أو «وش شعورك قبل تطلعين المسرح؟».
ويذكر موقفاً لا يُنسى حين سأل أحد الصحفيين مطربة بعد انتهاء حفلتها: «وش ناوية تقدمين الليلة لجمهورك؟» بينما كانت الفرقة قد غادرت المسرح فعلياً. ويقول: «في تلك اللحظة تحققت من أن المشكلة لم تعد في نوعية الأسئلة فقط، بل في هوية من يطرحها».
المستقبل: هل من أمل؟
رغم كل هذه التحديات، يرى الخبراء أن هناك أملاً في استعادة الصحافة الفنية لمكانتها. يتطلب ذلك تأهيل كوادر متخصصة، ودعم مؤسسي حقيقي، ورؤية ثقافية متكاملة تعيد للفن مكانته بوصفه جزءاً من وعي المجتمع، وليس مجرد ترفيه عابر. كما يتطلب الأمر إعادة النظر في دور الإعلاميين الفنيين، وجعلهم شركاء حقيقيين في صناعة الذاكرة الفنية، لا مجرد مرافقين للحدث.
ويؤكد العشيوي أن «المهنية ليست كاميرا هاتف تُثبَّت على السجادة الحمراء، بل قدرة على تفكيك الأعمال، على فهم الموروث الغنائي والدرامي، على ربط الفنان بمرحلة زمنية، وعلى إدراك الفارق بين الحدث الفني والترند».
تحليل ذكي:
تشير التحليلات إلى أن تراجع الصحافة الفنية في السعودية يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها غياب الكوادر المتخصصة، وتحول الفن إلى مادة للترفيه في بعض المؤسسات الإعلامية، وغياب الاستراتيجيات التي تربط بين الجهات المعنية بالفنانين والمؤسسات الإنتاجية. كما أن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي قد ساهمت في تقليص قيمة الصحافة الفنية الجادة، إذ أصبحت الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات لا بنوعية المحتوى. ومع ذلك، فإن النهضة الفنية والثقافية التي تشهدها السعودية اليوم تشكل فرصة ذهبية لاستعادة الصحافة الفنية لدورها الحيوي في توثيق الذاكرة الفنية وصناعة الوعي الثقافي.
ملخص الخبر:
- الصحافة الفنية في السعودية مرت بمرحلة ازدهار في الثمانينيات والتسعينيات، حيث كانت الصحف الورقية تخصص صفحات يومية للفن تحتضن صحفيين متخصصين.
- تراجع دور الصحافة الفنية جاء نتيجة غياب الكوادر المتخصصة، وتحول الفن إلى مادة للترفيه في بعض المؤسسات الإعلامية.
- تغريدة الفنان عايض يوسف كشفت حجم الفجوة بين النهضة الفنية والإعلام الذي لا يواكبها.
- وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تقليص قيمة الصحافة الفنية الجادة، إذ أصبحت الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات.
- الصحافة الفنية تحتاج إلى تأهيل كوادر متخصصة ودعم مؤسسي ورؤية ثقافية متكاملة لاستعادة مكانتها.
- الصحافة الفنية ليست تغطية عابرة، بل فهم وتحليل وتفكيك للعمل الفني، وليس مجرد أسئلة سطحية عن الأزياء.
التعليقات (0)
أضف تعليقك